ابن قيم الجوزية

320

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

الوجه الثاني : من الكسب كسب المال من التجارة ، قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ( 267 ) [ البقرة ] فالأول للتجار ، والثاني للزّراع . الوجه الثالث : من الكسب السّعي والعمل ، كقوله تعالى : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ ( 286 ) [ البقرة ] وقوله : بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ( 39 ) [ الأعراف ] وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ ( 70 ) [ الأنعام ] فهذا كله للعمل ، واختلف الناس في الكسب والاكتساب ، هل هما بمعنى واحد أم بينهما فرق ، فقالت طائفة : معناهما واحد . قال أبو الحسن علي بن أحمد ، وهو الصحيح عند أهل اللغة ، ولا فرق بينهما ، قال ذو الرمة : ألفي أباه بذاك الكسب يكتسب وقال الآخرون : الاكتساب أخصّ من الكسب ، لأن الكسب ينقسم إلى كسبه لنفسه ولغيره ، ولا يقال : يكتسب ، قال الحطيئة : ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة * فاغفر هداك مليك الناس يا عمر قلت : والاكتساب افتعال ، وهو يستدعي اهتماما وتعملا واجتهادا ، وأما الكسب فيصح نسبته بأدنى شيء ، ففي جانب الفضل جعل لها ما لها فيه أدنى سعي ، وفي جانب العدل لم يجعل عليها إلا ما لها فيه اجتهاد واهتمام ، وأما الجبر فيرجع في اللغة إلى ثلاثة أصول ، أحدها : أن يغنى الرجل من فقر ، أو يجبر عظمه من كسر ، وهذا من الإصلاح ، وهذا الأصل يستعمل لازما ومتعديا ، يقول : جبرت العظم ، وجبر ، وقد جمع العجّاج بينهما في قوله : قد جبر الدين الإله فجبر